جلال الدين الرومي

498

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

الأبوين في علمك " ، يتوجه مولانا في مناجاة لله تعالى : إنها إرادتك أنت التي توجه العبد وتعطى العقل قوة التمييز ، وما لم تكن إرادتك ما استطاع أحدٌ أن يتجه إلى الطريق الصحيح فأنت الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ ( الحديد 3 ) ونحن جميعاً معدومون إلى جوار رغبتك وإرادتك ، أنت الذي تستطيع أن تجعلنا بأجمعنا لك عملنا السجود وأنت الذي تستطيع أن تبعد عنا جبر الكسل والاستسلام ( عن الجبر والاختيار انظر مقدمة الترجمة العربية للكتاب الخامس ) فليكن جبرنا بيدك ، تجعل قوادمنا تطير إليك بدلًا من أن نكون كالغربان نطير نحو القبور والموت الكلى . فالجبر للكاملين جناح وللكسالى سجن وقيد مثل ماء النيل كان ماءً لقوم موسى ودماً لآل فرعون وفي مقدمة الكتاب الأول وهو كنيل مصر شراب للصابرين وحسرة على آل فرعون والكافرين وقال صلى اللَّه عليه وسلّم [ إياكم ومجالسة الموتى قال ومن الموتى قال أهل الدنيا ] ( انقروى 6 - 1 / 335 ) ذلك أن الحياة بدونك - يا ربنا - موت كلى ، وما نجاتنا إلا في الاتجاه إلى العدم فهو الوجود الحقيقي ، ( انظر 1367 - 1388 من الكتاب الذي بين أيدينا ) أما الوجود الذي نحن فيه فهو هباءً في هباء ، ومن خيالاتنا الواهية نظن أنه هو الوجود الحقيقي وعندما تنعدم هذه الخيالات تعرف أن العدم هو الوجود الحقيقي أما الوجود فهو العدم . ( 1456 - 1466 ) : " ليس للماضين هم الموت إنما لهم حسرة الفوت " وقال أحد الصوفية " الموت ولا الفوت " وذكر الحديث بصيغة أخرى في الكتاب الخامس ( انظر الترجمة العربية الأبيات 605 - 609 وشروحها وانظر أيضاً أحاديث مثنوى ص 154 ) ، حينما ترفع الحجب يصيح من ضيع حياته في السعي خلف العدم الذي يظنه وجوداً يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ( الزمر 56 ) يعرف حينذاك أنه ترك البحر ( الروح ) وعكف على الزبد ( الجسد ) وحين يلقى بالزبد في القبور اذهب واسأله : ترى ما الذي ألقى بك في هذا المضيق ؟ وسوف يرد عليك قائلًا : بل فاذهب وسل البحر ، لقد رأيت الضد فاذهب واسأل ضده ، اسأل الريح عن حركة التراب ، واسأل البحر عن حركة الزبد .